إبحــث في الموقع

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (9 - 11)

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (9 - 11)

2017-10-11 23:30 PM

تعديل حجم الخط:

ترى ما الذي يميز فرداً أو مسؤولا أو قائداً عن أخر في هذا العصر الشديد التعقيد، والمتسم بالتغيير المتسارع، والمنافسة والإبداع والابتكار واللايقين؟. 
إنه يتميز بمدى قدرة كل منهم على تطوير نفسه أو فريقه أو شعبه لمواجهة التحديات والأخطار كما يفيد الباحثان الأستاذان في كلية التربية العليا في جامعة هارفارد: روبرت كيجان وليزا لاسكو لاهي في كتابهما: Immaturity To Change . المسؤول أو القائد الذي يعتبر الموهبة/ العبقرية هبة أو معطى يجب اكتشافهما بجعل فريقه أو شعبه في وضع سيئ فلا يفوزان، وبعكسهما المسؤول أو القائد الذي يرى أن الدماغ ينمو وأن الموهبة/ العبقرية "تُصّنع".
لقد تعلمنا أن الموهبة/ العبقرية فطرية وأن حساب كل واحد من الدماغ وبالتالي العقل ثابت فلا يزيد بمرور الزمن. لقد تعلمنا ذلك وألفناه وحافظنا عليه فأنشأنا المدارس والإختبارات الخاصة لاكتشافها إلى أن جاءت الأبحاث العصبية والدماغية الأخيرة لتثبت خطأه وخطله وخطره كما بينا في الحلقات السابقة. 
يرى الباحثان أنه توجد طريقان منطقيان لسد الفجرة بين التحديات أو التعقيد الجديد في العالم وبين وضعنا العقلي الراهن وهما: 
• خفض التعقيد والتحديات ولكننا لا نستطيع ذلك لأننا لا نسيطر عليهما. 
• أو تعظيم قدراتنا لمواجهتها والتغلب عليها، وعلى رأسها قدرتنا العقلية، لكننا بنظريات التعلم القائلة بنظرية الذكاء الثابت أو الموهبة الهبة أو المعطى نقول لأنفسنا: لا نستطيع تجاوز ما نحن عليه فنبقى قاعدين، فلا نتغير إلى الأفضل. 
يقول الباحثان: عندما بدأنا بحوثنا التي استمرت عقداً وراء آخر كانت الفكرة السائدة أن نمو الدماغ مثل نمو الجسم يتوقف في نهاية فترة المراهقة أو في أوائل العشرينيات من العمر. وعندما أعلنا نتائج بحوثنا التي أثبتت عكس ذلك كان زملاؤنا الباحثون في الدماغ قبلنا يبتمسون لأنهم ظلوا حتى تاريخه أي حتى ثمانينات القرن الماضي يؤمنون بتوقف نمو الدماغ جينياً بتوقف النمو الجسمي. كانوا يدّعون أن الكبار في السن أكثر حكمة وأقدر من الصغار بالخبرة فقط، أو نتيجة التعلم، وليس نتيجة لنمو في الدماغ. 
غير أنهم بعد ثلاثين سنة من البحوث التي أثبتت العكس صاروا يتكلمون عن المرونة العصبية وقابلية الدماغ للنمو طيلة الحياة وبقدرته الدائمة على التكيف، وإن كان ذلك متفاوتاً بين واحد وأخر. وقد تبين للباحثين أنه يمكن تقسيم العقول نتيجة لذلك إلى ثلاثة أقسام وهي: 
• العقل المتآلف (Social Mind) وصاحبه اتكالي وتابع مخلص لمن يتماثل معه، ويطلب التوجيه والارشاد منه لأنه لا يستطيع أو يجرؤ على الاعتماد على نفسه ليقرر أو يصدر حكماً. إنه يسبح مع التيار (وهو كما أعتقد العقل الشائع عند جملة المسلمين اليوم: العرب وغير العرب). 
• العقل المؤلِف للذات (Self Authoring Mind) وصاحبه أمرؤ له بوصلته الخاصة التي يؤلف بواسطتها استقباله للمعلومات وفلترة لرؤيته بها. إنه حلاّل للمشكلات ويسعى دوماً لتحسين رؤيته أو أجندته أو تصميمه أو استراتيجيته، التي قد تكون ممتازة أو مليئة بالبقع المظلمة. وبإيجاز يعتبر نفسه القائد أو السائق لا التابع أو الراكب. 
• العقل المحوِّل أو المطوِّر للذات (Self Transforming Mind) وميزة هذا العقل أنه يستطيع التفكير عن بُعد في إطار رؤيته أو أجندته أو إستراتيجيته ليرى مدى ما فيها من نقص أو عيب. كما يستطيع التعامل مع عدة قضايا أو تحديات ومشكلات بتوحيدها، أو بكل مهارة على حدة. إنه عقل جدلي يسبح ضد التيار ويختلف عن العقل السابق باكتشافه للمشكلات وليس بحلها فقط. 
إن فحوص الذكاء المعروفة لا تكشف عن هذه العقول لارتباطها الضعيف جداً معها، فقد يحصل المرء على علامة عالية فيها، ولكنه قد يكون صاحب أي عقل منها. 
وفي بحثهما عن الذات ضد التغيير، يفيد الباحثان أن التغيير التقني سهل، ولكن المشكلة تكمن في التغير العقلي، أي في العجز عن التكيف مع التغيير وإن كان لازماً لتحقيق الأهداف. وكمثال عليه أذكر القارئ بإدخال وزارة التربية والتعليم الإذاعة المدرسية، ثم التلفزيون التربوي، وأخيراً الكمبيوتر في المدارس دون أن يحدث التغيير المطلوب، لأن البنية العقلية (mind- set) للعاملين في التربية والتعليم من معلمين ومعلمات وإداريين بقيت على حالها، مما أدى إلى فشل التغير التقني على سهولته.
لقد وضع الباحثان منهجاً تدريبياً متكاملاً لتغيير تلك العقلية، يقوم جوهرها على إماطة اللثام للمتدرب عن القوى أو الارتباطات الخفية أو الدفينة فيه التي تمنعه من التغيير، من مثل أنه في أعماقه يخشى فقدان السيطرة، أو السلطة، أو الطريقة، أو الأسلوب الخاص به... إذا قبل التغيير.

 

 



إقرأ أيـضـاَ