إبحــث في الموقع

الصغيرة.. ومتناهية الصغر

الصغيرة.. ومتناهية الصغر

2017-11-16 22:50 PM

تعديل حجم الخط:

لا يكاد يمر يوم أو ساعة إلا يجري احتفال هنا او تسمع خبرا هناك عن افتتاح مشروع أو إطلاق مبادرة. فالكل يتحدث عن التشغيل حتى اصبحت الجمعيات محطات لرصد ومتابعة مواسم الاعلان عن القروض والمنح، واتخم المجتمع بالمدربين والخبراء ممن احترفوا تقديم العروض الالكترونية والرسومات البيانية وإعداد أوراق المشروعات والسِّيَر الذاتية وكل الاوراق والمستلزمات التي تشترط مؤسسات التمويل توفيرها. 
في كل قرية ومخيم وحي وحتى في جنبات البادية الاردنية اصبح الحديث عن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغير جزءا من الأدبيات التي تستخدمها النساء والشباب والكبار على حد سواء، فمعظم الاهالي ممن يعانون من البطالة والفقر انخرطوا في نوع او اكثر من هذه المشروعات او ما يزالون ينتظرون الموافقات الضرورية لانضمامهم الى قطار المشروعات التي اصبحت تغطي كل ما يمكن التفكير به بدءا من الحجارة الكريمة في محمية ضانا وحتى جمع بذور التمر وتحميصها من اجل انواع جديدة من القهوة في الأغوار. كل ذلك والأسر الأردنية ما تزال تجابه شبح الفقر وجنون الغلاء واحتمالات الإفلاس وربما فقدان ملكية منزلها او التحاق بعض افرادها بعالم الجريمة والانحراف.
الكثير منا يستغرب أن يحصل ذلك في الاردن الذي كان الشباب عماد اقتصاده وقواه العاملة في الرعي والزراعة والصناعة والتعليم والخدمات قبل ان نفتح باب استيراد العمالة ويتحول الجميع الى قناصين للفرص لا يستهوينا العمل الجاد المنتج بمقدار ما تغرينا الصفقات والسمسرة والعمولات. فكيف حصل ذلك وما الذي أوصلنا الى هذا المربع؟
 لقد اسهمت النهضة الاقتصادية لدول انتاج وتصدير النفط التي انطلقت في اعقاب حرب اكتوبر العام 1973 احد اهم عوامل الجذب للعمالة الاردنية حيث اندفع الشباب الاردني للعمل في اقتصاديات هذه الدول بأجور تفوق كثيرا ما كانوا يتقاضونه، الأمر الذي فرّغ السوق الاردني من أفضل الكفاءات وشكّل فراغا في قطاعات الانتاج والخدمات، ما أدى الى استقدام عشرات الآلاف من العمال العرب ليحلوا محل الأردنيين الذين استمالتهم الاسواق المجاورة.
 اليوم ومع انحسار حاجة الاسواق العربية الى العمالة الاجنبية وتنامي اتجاهات وسياسات الإحلال والتوطين لها في كل بلدان المقصد واستمرار عزوف الاردنيين عن اعمال الزراعة والخدمات، أخذت معدلات البطالة بالارتفاع الى ارقام غير مسبوقة ما أدى الى تنامي الإحباط والفقر والمشكلات الاجتماعية والسلوكية الاخرى.
في وجه هذا الواقع جاءت أفكار "ريادة الأعمال والتشغيل" كبرامج ترمي الى مساعدة الشباب على تحويل افكارهم واحلامهم الى مشروعات؛ فنجح البعض واخفق الكثير لاسباب تبعث على الحيرة والتساؤل. في البيئة الاردنية اليوم حيث شح الموارد وندرة ومحدودية الدعم يحتاج الشباب الى ما يشبه المعجزة لتحقيق النجاح وترجمة الافكار والرؤى الى مشروعات ناجحة.
 المئات من المشروعات التي اطلقها الشباب تم إغلاقها أو عرضت للبيع بعد ان مني الشباب بخسائر كبيرة في المال والعزيمة والدافعية. والكثير من الشباب والشابات الذين بادروا لفتح مشروعات بدعم حكومي أو بالإقتراض من الصناديق التمويلية يواجهون اجراءات قضائية وملاحقات ناجمة عن تعثر المشروعات والتأخر عن الوفاء بالالتزامات المالية لهذه المؤسسات التي تعاملت معهم كمقترضين دون التأكد من وجود الاستعداد وشروط النجاح قبل بداية المشروعات.
 في الكثير من محافظات الجنوب تعثّر ما يزيد على ثلثي المشاريع الجماعية للشباب التي جرى تمويلها تحت عنوان "التشغيل بدل التوظيف" الذي استخدمته الحكومة في محاولتها معالجة مشكلات البطالة في الارياف والمدن والمخيمات. بعض الذين تقدموا للإفادة من المشروعات لا يملكون خبرة ولا استعدادا أو مهارات للقيام بالمهن والمشروعات التي اقترضوا من أجلها والغالبية جاؤوا من خلفيات مهنية واسرية وسلوكية متباينة حيث جمعتهم الحاجة للمال اكثر من تشابه الرؤية والاهتمام والايمان بفكرة المشروع، ما أسهم في تولد الخلافات بينهم ودفعهم للبحث عن التفكير بكيفية تمكنهم من تأجير الادارة والتشغيل لعمال عرب ليعودوا الى مقاعد البطالة بحدود مناسبة من الدخل.
 من الصعب أن تنجح مشروعات شبابنا الصغيرة ومتناهية الصغر اذا لم يوفر لاصحابها التدريب الكافي وحاضنات حماية للمشاريع والغاء الرسوم الباهظة التي يدفعها الشباب للتراخيص والأذونات وتسريع تسليم الدفعات وضبط مزاجية العاملين في المؤسسات التمويلية.
أكتب هذا المقال وانا اتذكر الريادة التي مثلها الاوائل ممن حفروا في الصخر امثال صبحي جبري ومحمد علي بدير ورجب خشمان وغيرهم من الرواد. ففي ثقافتنا تراث غني يمكن البناء عليه، وفي بيئتنا الكثير من الامثلة والفرص التي لا تحتاج الى تضخيم وتحسين وتلميع ليتم قبولها من قبل الممولين، فما علينا الا النظر الى آلاف العمال المصريين الذين نجحوا في تأسيس اعمال زراعية وتجارية وخدمية في زمن قياسي حتى أصبحوا قوة اقتصادية مهيمنة على العديد من القطاعات.

 

 



إقرأ أيـضـاَ